الفاشل

" ما هو انت عيل غبي و فاشل مابتعرفش تعمل حاجة في حياتك ،  يالّا قول ورايا  ،  لا فالح في فهم و لا علام و لا حاجة خالص" 
كانت تصرخ جارتنا ذات الصوت الجميل العذب بتلك الكلمات صباح كل يوم كعادة يومية أصيلة -  ما عدا عطلة الجمعة بالطبع - الذي كان يعد عطلة رسمية من الإحباط لدى الصبي الصغير. 
كانت هذه الجملة من شدتها تخترق حجابي الحاجز يوميا و تشعرني بالكثير من الحنق و الغضب ،  ليس على تلك السيدة و لكن على من سمح لها بالزواج و إنجاب الأطفال من الأساس. 
تباً إنها حمقاء و أهلها جميعا كانوا كذلك ،  لا لا هذا ليس تجنّيًا علي أهلها أو عليها..  إنها حقيقة بحتة. 
يظن الأبناء أن اتباع سبيل الآباء هو الحل الأمثل لجعل الأطفال صالحين و متفوقين بل و بارعين اجتماعيًا كآبائهم تمامًا. 
ذلك الاعتقاد السفيه الذي لا يزال يخلق لنا من الناس نسخ لا منتهية. 
لم تكن هذه السيدة تعلم يوماً أن ابنها بارع ،  إن لديه سرعة بديهة و ذكاء يميزه كثيراً عن بقية زملائه ،  كما أن أحب العزف على العود كثيراً . 
لطالما كان ذكيا في دراسته لكنه منذ أن بدأت أمه تلاحظ انخفاض مستواه الدراسي لم تساعده البتة  ...  أو اعتقدت أنها تساعده بهذه الطريقة. 
كان الفتى مع كل يوم يزداد فيه الصراخ يكثر من التهرب من حصصه الدراسية ليتعلم على العود منفردا في مسرح المدرسة..  و كان بارعا أيضا في ألا يلاحظه احد يوماً تلو الآخر. 

أتذكر أنني كنت في مكتب المدير ذات يوم و دخلت فتاة لم تبلغ العاشرة مهرولة ،  كانت تنقل للمدير ما رأت في مسرح المدرسة لأول مرة . 

" المس قالتلي أروح أدور على العود اللي كان ضايع  و قالتلي شوفيه في المسرح،  بس لما دخلت سمعت صوت حد بيعيط و بيقول كلام مفهمتوش ،  قربت أكتر شوية و سمعت الكلام أوضح :
- إنت عارف إني بحب اشتكيلك؟ ،  أنا بحب ماما و مش عايزها تزعل مني ،  بس انا غصب عني بقيت مقتنع إني زي ما هي بتقول كدة ،  حتى كل دافع عندي كان بيتهد بسبب الكلام اللي اتزرع في دماغي و مش راضي يطلع ،  أنا نفسي أرجع شاطر تاني زي الاول بس مش قادر  "

كانت السيدة التي تجلس أمامي منهارة و عيناها تلمع و لكنها لم تسمح لواحدة منهن بالنزول و التحرر ،  كتمتهم جميعاً ثم طلبت ابنها. 
كان الفتي يرتجف على خشبة المسرح  حين نادوه ،  كان مضطربا و نفسه مهتزة. 
لم تتكلف الأم الكثير من الوقت أو العناء لتبلغه بما شعرت به من ذنب في تلك اللحظات ،  لكنني أعتقد أنني شهدت أطول ضمّة منها لم أرها منذ أن سافر مع أصدقائه الأقصر في رحلة المدرسة. 

تنفست حينها فقط الصعداء ،  و شعرت بالارتياح حيال عدم سماع تلك الجملة ثانيةً  لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل. 

( تمت) 

* ملحوظة صغيرة * 
قولوا لعيالكم حاجات تشجعهم و مهما اتضايقتوا منهم متسيبوش فيهم حاجة وحشة تندموا عليها بعدين ،  معرفش الكلام ده لمين بس لأي حد يقع في ايده يعني ،  شكراً :D


Comments

Popular posts from this blog

جبروت امرأة

هممم

تاكل حاجة؟